أصبحت السياسة الخارجية للدولة الحديثة المعاصرة اليوم عملية معقدة و ذات جوانب عديدة متداخلة و أصبحت مسألة بناء سياسة خارجية ناجحة و القرار على خطة إستراتيجية ذكية موضوعا" ليس بالهين و يتخطى القدرة المنفردة المستقلة للعدد المحدود من مؤسسات جمع و تحليل المعلومات في الدولة ذات الطبيعة البيروقراطية و كذلك القدرات و المواهب الفردية و الشخصية لمركز السلطة و اتخاذ القرار. لقد أصبحت هذه القضية عملية مشتركة و جهود منسقة و متراكمة لأكثر من جهة و طرف و تحظى فيها النخب المفكرة المؤطرة فيما اصطلح عليه بمخازن التفكير (Think Tanks) بدور هام و أساسي باعتبار أن هذه النخب تجمع بين ميزتين هامتين هما توافر العلم و الخبرة العملية المتراكمة من جهة و من جهة أخرى توافر الإمكانية و المستلزمات المادية و الوقت لأعمال الفكر و التحليل و التركيب و الاستنتاج لبناء النظرة الاستشرافية التي تعد أساسا" ضروريا" لأي استراتيجية و سياسة خارجية ناجحة.لقد لعبت و تلعب و ستلعب مؤسسات الفكر و الرأي الـ (Think Tanks) دوراً بارز في صياغة السياسة الخارجية للدول المتقدمة بشكل عام و للولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص. و قد كان لهذه المراكز دورا" أساسيا في كثير من قضايا السياسة الخارجية الأمريكية في عموم الشؤون الدولية بصفة عامة، و تجاه منطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص. لقد قامت هذه المؤسسات ـ التي تَعتبر بمثابة مراكز بحثية مستقلة ـ بصياغة التعاطي الأمريكي مع العالم لفترة تقارب مئة عام، و لكن و لكون مؤسسات الفكر و الرأي تقوم بمعظم وظائفها بمعزل عن أضوء وسائل الإعلام، فهذا يجعلها تحظى باهتمام يقل عن ما تحظى به المؤسسات الأخرى للسياسة الخارجية الأمريكية، مثل التنافس بين جماعات المصالح و المناورات بين الأحزاب السياسية و التنافس بين فروع الحكومة المختلفة. و علي الرغم من هذا الابتعاد النسبي عن الأضواء فإن مؤسسات الفكر و الرأي تبقى حقيقة تؤثر بشكل ديناميكي تفاعلي على صانعي السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية و من خلال عدة جوانب و بوسائل مختلفة.سنحاول في هذه الدراسة البسيطة التعرف على المصطلح و تاريخ نشوئه و تداوله و ماهية طبيعة مؤسساته و كيفية ظهورها في العالم الغربي و الولايات المتحدة بالذات و من ثم التعرف على أدوارها و نشاطاتها يلي ذلك محاولة التعرف على تأثيراتها على صانع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية عبر بعض الأمثلة و الحالات المفصلية التي ظهر فيها دور هذه المراكز جليا" في بلورة السياسات الخارجية الأمريكية و من ثم الوصول إلى استنتاجات حول ما يمكن أن تقوم به هذه المراكز من أدوار في المستقبل فيما يخص مجتمعاتنا و سبل ترشيد أدائها من اجل بناء سياسة خارجية أفضل.